الشوكاني

436

فتح القدير

إليها . وقد تقدم بيان هذا في سورة ص ( الذين طغوا في البلاد ) الموصول صفة لعاد وثمود وفرعون : أي طغت كل طائفة منهم في بلادهم وتمردت وعتت ، والطغيان مجاوزة الحد ( فأكثروا فيها الفساد ) بالكفر ومعاصي الله والجور على عباده ، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي هم الذين طغوا ، أو في محل نصب على الذم ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) أي أفرغ عليهم وألقى على تلك الطوائف سوط عذاب ، وهو ما عذبهم به . قال الزجاج : جعل صوته الذي ضربهم به العذاب ، يقال : صب على فلان خلعة : أي ألقاها عليه ، ومنه قول النابغة : فصب عليه الله أحسن صبغة * وكان له بين البرية ناصر ومنه قول الآخر : ألم تر أن الله أظهر دينه * وصب على الكفار سوط عذاب ومعنى صوت عذاب : نصيب عذاب ، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . وقيل ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم ، وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به . قال الفراء : هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب ، وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به ، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه عندهم غاية العذاب . وقيل معناه : عذاب يخالط اللحم والدم ، من قولهم ساطه يسوطه سوطا : أي خلطه ، فالسوط خلط الشئ بعضه ببعض ، ومنه قول كعب بن زهير : لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وإخلاف وتبديل * وقال الآخر : أحارث إنا لو تساط دماؤنا * تزايلن حتى لا يمس دم دما وقال آخر : فسطها ذميم الرأي غير موفق * فلست على تسويطها بمعان * ( إن ربك لبالمرصاد ) قد قدمنا قول من قال إن هذا جواب القسم . والأولى أن الجواب محذوف ، وهذه الجملة تعليل لما قبلها ، وفيها إرشاد إلى أن كفار قومه صلى الله عليه وآله وسلم سيصيبهم ما أصاب أولئك الكفار ، ومعنى بالمرصاد : أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيرا وبالشر شرا . قال الحسن وعكرمة : أي عليه طريق العباد لا يفوته أحد ، والرصد والمرصاد : الطريق . وقد تقدم بيانه في سورة براءة ، وتقدم أيضا عند قوله - إن جهنم كانت مرصادا - . وقد أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله ( والفجر ) قال : فجر النهار . وأخرج ابن جرير عنه قال : يعني صلاة الفجر . وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وابن عساكر عنه أيضا في قوله ( والفجر ) قال : هو المحرم فجر السنة ، وقد ورد في فضل صوم شهر محرم أحاديث صحيحة ، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما . وأخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( والفجر وليال عشر والشفع والوتر ) قال : إن العشر عشر الأضحى ، والوتر : يوم عرفة ، والشفع : يوم النحر . وفي لفظ : هي ليالي من ذي الحجة " . وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبد الله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة ، فقال أبو سلمة : أليس هذه الليالي العشر التي ذكرها الله في القرآن ؟ فقال ابن عمر : وما يدريك ؟ قال : ما أشك ، قال : بلى فاشكك . وقد